نقطة تحول في قطاع السياحة بمصر: حوار مع غادة شلبي حول استراتيجيات الضيافة بعد المتحف المصري الكبير

حوارات صحفية

interview-ms-ghada-wali

شكّل افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025 نقطة تحول كبرى في مسار السياحة المصرية. وقد وصفه المسؤولون بأنه نقلة نوعية، إذ بدأ المتحف بالفعل في استقطاب أعداد قياسية من الزوار. وقد دفع حجمه اللافت والاهتمام العالمي الذي يحيط به، الحكومة والقطاع الخاص إلى تسريع خطط زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق، وتوسيع الخدمات، وتعزيز البنية التحتية لتلبية الطلب المتوقع.

تُجري جمعية الطهاة المصريين حواراً مع السيدة غادة شلبي، المدير التنفيذي لغرفة المنشآت الفندقية، ونائب وزير السياحة والآثار السابق لشئون السياحة.  تُعد غادة شلبي إحدى الشخصيات البارزة في قطاعي السياحة والضيافة، إذ أسهمت في صياغة السياسات الوطنية، ودفع عجلة التحول الرقمي في مختلف أنحاء القطاع، وعملت عن كثب مع شركاء الصناعة لرفع المعايير ودعم النمو المستدام. ومنذ عام 2024، تتولى قيادة غرفة المنشآت الفندقية المصرية، مع تركيزها على الابتكار، والشراكات الاستراتيجية، ورؤية طويلة المدى لتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.

وفي هذا الحوار، تشارك السيدة غادة شلبي رؤيتها حول أهمية المتحف المصري الكبير لمصر في الأشهر المقبلة، وكيف يمكن للقطاع أن يتوسع بطريقة متوازنة، وما الذي ينبغي على الطهاة وأصحاب الفنادق والمطاعم إعطاؤه أولوية استعداداً لموجة جديدة من الزائرين الدوليين. كما تسلّط الضوء على الدور الاستراتيجي للتدريب في فنون الطهي، والطلب المتزايد على الاعتماد بالشهادات العالمية، وأهمية الحفاظ على أصالة المطبخ المصري في قلب تجربة الزائر، لضمان أن يتحول وعد المتحف الكبير إلى مكسب طويل الأمد للسياحة المصرية وقطاع فنون الطهي.

أجرت الحوار: أمل بسالي

تم وصف افتتاح المتحف المصري الكبير بأنه نقطة تحول للسياحة المصرية. من وجهة نظركم كنائب سابق لوزير السياحة والمدير التنفيذي الحالي لغرفة المنشآت الفندقية ، ما هي أبرز الفرص الاستراتيجية التي يتيحها المتحف لمصر خلال الأشهر المقبلة؟

يُشكّل المتحف المصري الكبير لحظة تحول حقيقية في مشهد السياحة المصرية. فخلال الأشهر المقبلة، سيسهم المتحف بشكل كبير في إطالة مدة إقامة الزائرين، وتنويع أنماط السفر بعيداً عن الخطوط التقليدية، وجذب شرائح جديدة من السوق ذات القيمة العالية المهتمة بالثقافة والتعليم والسياحة التراثية. كما يتيح المتحف فرصًا واعدة لتطوير منتجات سياحية متكاملة تربط القاهرة بوجهات أخرى مثل الساحل الشمالي، والبحر الأحمر، وصعيد مصر، من خلال برامج رحلات مُختارة بعناية.

إضافة إلى ذلك، يوفّر المتحف منصة عالمية للشراكات مع المتاحف الدولية، ومزوّدي التكنولوجيا، والمؤسسات الثقافية. ويُسهم هذا الزخم في تمكين مصر من تعزيز مكانتها كوجهة سياحية، وزيادة معدلات تكرار الزيارة، ودعم الطلب على مدار العام.

كيف ستعمل  وزارة السياحة والآثار وغرفة المنشآت الفندقية على التنسيق معاً لضمان توسّع البنية التحتية السياحية (الفنادق، والنقل، وخدمات الزوار) بشكل متوازن ومستدام؟

تعمل وزارة السياحة والآثار وغرفة المنشآت الفندقية بشكل وثيق على مواءمة الطاقة الاستيعابية للفنادق وتطوير وسائل النقل وخدمات الزوار مع النمو المتوقع في أعداد السيّاح. ويرتكز نهجنا على توسّع متوازن ومستدام، يُعطي الأولوية للجودة قبل الكمية. ويشمل ذلك حصر دقيق للمنشآت الفندقية المتاحة، ومراقبة أنماط الإشغال، وتوجيه المستثمرين نحو المناطق التي تعاني من نقص الخدمات.

كما نعمل على تعزيز الربط في منظومة النقل، وتحسين أنظمة الإرشاد الرقمي، وتطبيق برامج تدريب موحّدة لموظفي خدمات الزوار في مختلف أنحاء القطاع. وتظل الاستدامة البيئية محوراً رئيسياً، من خلال وضع إرشادات واضحة بشأن كفاءة الطاقة، وإدارة النفايات، والاستخدام المسؤول للأراضي. ومن خلال تنسيق السياسات والتدريب ومشاركة القطاع الخاص، نهدف إلى ضمان نمو تنافسي لمصر مع الحفاظ على مواردها الثقافية والطبيعية.

مع توقع مصر زيادة كبيرة في عدد الزائرين الدوليين عقب افتتاح المتحف المصري الكبير، ما البرامج التدريبية والتأهيلية التي يحتاجها الشيفات حالياً، لاسيما في مجالات مثل المعايير الدولية، وتصميم قوائم الطعام، والترويج للمطبخ المصري الأصيل بأسلوب عصري؟

لمواكبة التوقعات الدولية المتزايدة، يحتاج الطهاة إلى أسس متينة في المعايير العالمية لفنون الطهي، وتخطيط قوائم الطعام، وتقنيات التقديم الحديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هوية المطبخ المصري. تشمل المجالات ذات الأولوية سلامة الغذاء، وإدارة مسببات الحساسية، والمطبخ النباتي، والتقنيات التي تُضفي لمسة عصرية على الأطباق التقليدية.

كما يجب أن تركز البرامج التدريبية على فهم الاحتياجات الغذائية المتنوعة للزائرين، وتحسين كفاءة سير العمل داخل المطابخ، وتصميم قوائم طعام  تُوازن بين الجودة والتكلفة. وسيكون لتعزيز قدرة الطهاة على سرد قصة المطبخ المصري من خلال التقديم العصري ، دور أساسي في تلبية رغبات الزائرين الباحثين عن تجارب طهي أصيلة وغنية ثقافياً. وستلعب الشراكات مع مدارس الطهي، وجمعية الطهاة المصريين، والخبراء الدوليين، وبرامج التدريب الفندقية دورًا محوريًا في هذا الصدد.

interview-ms-ghada-wali

إن زيادة أعداد الزائرين ستتطلب زيادة في أعداد فرق الضيافة المُدرّبة. ما أهي ولويات التدريب العاجلة التي ينبغي على الفنادق والمطاعم التركيز عليها، مثل (التعامل مع النزلاء، وفرق المطابخ، ومعايير النظافة)؟

ينبغي على الفنادق والمطاعم أن تعطي أولوية فورية للتميّز في خدمة الضيوف وكيفية التعامل مع النزلاء، والالتزام الصارم بمعايير النظافة، وتحسين كفاءة عمليات التشغيل داخل المطابخ. ومع تزايد تدفقات الزائرين، يصبح من الضروري تدريب موظفي الصفوف الأمامية والاستقبال على مهارات التواصل، والوعي الثقافي، وإدارة شكاوى الضيوف واستعادة رضاهم، والتحلي بالمهنية تحت ضغط.

أما أطقم عمل المطابخ، فتحتاج إلى برامج تدريب مُحدّثة في مجالات التعقيم وسلامة الغذاء، والتحكم في الوقت ودرجات الحرارة، وبروتوكولات التعامل مع مسببات الحساسية، ومعايير تداول الأغذية. كما يجب الارتقاء بمهارات فرق خدمة الغرف الفندقية، والصيانة، لضمان الحفاظ على مستوى ثابت من الجودة مع ارتفاع معدلات الإشغال. وتزداد أهمية المهارات الرقمية، مثل أنظمة تسجيل الدخول الذكية والتواصل الإلكتروني مع النزلاء. إن تعزيز هذه الجوانب سيساعد على ضمان أن ترقى تجربة كل زائر إلى مستوى المعايير العالمية المتوقعة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير.

بالنسبة للطهاة ومُدرّسي فنون الطهي: ما المعايير أو الشهادات التي سيزداد الطلب عليها مع نمو القطاع (سلامة الغذاء، والوعي بمسببات الحساسية، والحصول على التوريدات من مصادر  مستدامة، واللغة الإنجليزية في مجال الضيافة)؟

مع توسّع القطاع، ستصبح الشهادات المتخصصة في سلامة الغذاء مثل الهاسب  و ISO 22000، والتوعية بمسببات الحساسية، والحصول على التوريدات من مصادر  مستدامة ، من المتطلبات الأساسية. كما سيستفيد الطهاة من برامج التدريب المعتمدة دولياً في تطوير قوائم الطعام، والتحكم في التكاليف، وتقنيات الطهي الحديثة.

إلى جانب ذلك، ستزداد حاجة سوق العمل إلى مهارات الضيافة والتفاعل مع الضيوف، وفهم القيود والأنماط الغذائية المختلفة، لا سيما قوائم الطعام الخالية من الجلوتين، والقوائم النباتية، والقوائم المرتبطة بالصحة. كما يكتسب التدريب المرتبط بالاستدامة أهمية متسارعة، بما يشمل تقليل الهدر، وتطبيق ممارسات المطابخ الموفّرة للطاقة، والحصول على المواد الغذائية من مصادر محلية مسؤولة، تماشياً مع معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية العالمية، التي تعتمدها الفنادق. وستساعد هذه الشهادات الشيفات على تلبية توقعات قاعدة زوار دولية أكثر تنوعاً ووعياً بالجودة.

بصفتكم ممن شغلوا مناصب قيادية في كلٍّ من وزارة السياحة وغرفة المنشآت الفندقية، ما النصيحة العملية التي تقدّمونها اليوم للطهاة وأصحاب المطاعم ومديري الفنادق للاستعداد لفرصة المتحف المصري الكبير؟

بصفتي من الذين حظوا بشرف الخدمة كنائب لوزير السياحة والعمل عن قرب مع غرفة المنشآت الفندقية ، فإن أهم نصيحة أقدّمها للطهاة وأصحاب المطاعم والمديرين العامين للفنادق هي الاستعداد المبكر والاستثمار الحقيقي في العنصر البشري. إن تعزيز الكوادر من الآن، من خلال تنمية المهارات، وترسيخ ثقافة الخدمة، والالتزام بأفضل الممارسات الدولية، سيضمن جاهزية القطاع لاستيعاب الزيادة المتوقعة في الطلب مع افتتاح المتحف المصري الكبير.

وإلى جانب الجاهزية التشغيلية، تتطلب هذه المرحلة التزاماً متجدداً بالهوية المصرية الأصيلة، ولا سيما في مجال فنون الطهي. فالعودة إلى جذور فن الطهي المصري يمكن أن تُلهم ابتكار مطبخاً معاصراً يمزج بين الحداثة والأصالة، مستنداً إلى المكونات والتقاليد المصرية القديمة. إن دمج عناصر مثل اللوتس، والبردي، والحبوب التراثية، والنكهات التقليدية، يتيح ابتكار أطباق مميّزة تعكس عمق الثقافة المصرية، بما يتجاوز الصور النمطية للأطباق الشائعة مثل الكشري والفلافل. إنها فرصة للارتقاء بالأطباق الوطنية وتقديمها بثقة إلى المجتمع الدولي، بما يرفع راية المطبخ المصري بأسلوب معاصر ومدروس.

يُعد مشروع “سُفرة مصر: مذاق من مصر” على منصة Google Arts & Culture  مرجعاً قيّماً في هذا السياق. فهذه الحملة الفريدة من نوعها، والتي أتيحت لي فرصة المساهمة فيها، توثّق التراث الغذائي المصري من خلال أكثر من 1,700 صورة عالية الدقة، وأكثر من 60 قصة ثقافية، و30 مقطع فيديو تستعرض أطباقاً من مختلف أنحاء الجمهورية. ويمكن الاطلاع على المشروع عبر الرابط التالي:
https://artsandculture.google.com/project/taste-of-egypt

ومن الناحية التشغيلية، يظل الالتزام بأعلى معايير النظافة والسلامة والاستدامة، إلى جانب وضوح التواصل مع الضيوف، أمراً أساسياً لا غنى عنه. كما أن التعلم المستمر، وتحديث المعلومات، وبناء شراكات فعّالة مع مؤسسات التدريب، من شأنه أن يُمثل ركائز داعمة لتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل.

وأخيراً، يجب أن تبقى الطريقة التي يتواصل بها الفندق أو المطعم بشأن هويته وقيمه وسياقه الثقافي من خلال كل نقطة اتصال، في صميم تجربة الضيافة – ليس فقط من خلال الكلمات، ولكن من خلال التصميم والخدمة والطعام والتفاعل البشري. فقد يأتي الزائرون من أجل المتحف المصري الكبير، لكنهم سيعودون مرة أخرى بفضل الدفء، والإبداع، والأصالة التي يلمسونها في تجربة الضيافة المصرية.

هذه هي لحظة مصر؛ لحظة يجب استغلالها على أكمل وجه، بشكل جماعي وبفكر واعٍ ومدروس.

Please wait...

Thank you!

Please wait...

شكرا!!